الثعلبي
118
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
على من عنده من اليهود والعرب والنصارى والمجوس فأقرّوا بالجزية وكرهوا الإسلام ، فكتب إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « أما العرب فلا تقبل منهم إلّا الإسلام أو السيف ، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية » « 1 » [ 124 ] . فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله عليه السلام أسلمت العرب وأما أهل الكتاب والمجوس أعطوا الجزية ، فقال في ذلك : منافقو أهل مكة وقالوا : عجبا من محمد يزعم أن اللّه تعالى بعثه ليقاتل الناس ، حتى يقولوا لا إله إلّا اللّه ، وقد قبل من مجوس هجر وأهل الكتاب الجزية ، هلّا أكرههم على الإسلام وقد ردّها على إخواننا من العرب ؟ فشقّ ذلك على المسلمين مشقة شديدة فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني بعد أن بلغ محمد فأحذر ، وأنزل بعد ما أسلم العرب لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . وقال ابن عباس : نزلت في جميع الكفار وذلك أن الرجل كان إذا أسلم قالوا : سفهت أباك ، وضللت ، وفعلت وفعلت فأنزل اللّه عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ من آبائكم إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وهذه لفظة إغراء ، والعرب تغري من الصفات بعليك عليك ولبيك وإليك وعندك ودونك « 2 » . ثم قال إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً الضال والمهتدي فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ الآية نزلت في ثلاثة نفر خرجوا تجارا من المدينة إلى الشام ، عدي بن فدي ، وتميم بن أوس الداري وهما نصرانيان وبديل مولى عمرو بن العاص السهمي وكان مسلما مهاجرا واختلفوا في كنية أبيه . فقال الكلبي : بديل بن أبي مازنة . وقال قتادة وابن سيرين وعكرمة : هو ابن أبي مارية ، ومحمد بن إسحاق بن يسار وابن أبي مريم ، فلما قدموا إلى الشام مرض بديل وكتب كتابا فيه جميع ما معه وطرحها في متاعه ولم يخبر صاحبه بذلك ، فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله ، ومات بديل ففتشا متاعه فأخذا منه إناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة مموّهة بالذهب فغيباه ثم قضيا حاجتهما وانصرفا وقدما المدينة فدفعا المتاع إلى أهل الميت ففتشوا [ فوجدوا ] الصحيفة فيها تسمية ما كان معه وما فيها الإناء فجاءوا تميما وعديا . فقالوا : هل باع صاحبنا شيئا من متاعه ؟ قالا : لا ، قالوا : فهل خسر تجارة ؟ قالا : لا ، قالوا : فهل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا . قالوا : فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا فقدنا فيها إناء من فضة مموّهة بالذهب فها ثلاثمائة مثقال فضة . قالا : لا ندري إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم ودفعناه وما لنا إلّا من حكم ،
--> ( 1 ) أسباب نزول الآيات : 142 وزاد المسير : 2 / 330 . ( 2 ) راجع تفسير الطبري : 7 / 138 .